تمكين القيم

تناولت الدراسات والبحوث وأوراق العمل المهتمة بالقيم؛ موضوع تعزيزها أو غرسها تناولًا نظريًا متنوعًا، وفي حين تؤكد جميعها على ضرورة تعزيز القيم وإكسابها، لكنها في الغالب لم تقدم بالمقابل أدوات عملية لتمكينها أو شرح كيفية تحقيق ما يجب أو بيان تلك الضرورة، إلا في نطاق ضيق وإسهامات محدودة تبناها بعض الباحثين وبعض المؤسسات، وهو جهد طيب ساهم في نقل الأفكار من حيز التنظير إلى التطبيق.
وقد حصرت «الرواد لبناء القيم» بعض تلك البرامج والمشاريع والأدوات المحدودة واستفادت منها، غير أن الرواد لم تستغرق في التنظير أو تركز على عملية إكساب القيم أو اكتسابها وتعزيزها، بل حرصت على بناء منهجية علميّة وأدوات عمليّة تهدف إلى عملية أشمل من الإكساب أو التعزيز وهي : تمكين القيم.

منهجية «الرواد» في تمكين القيم

التمكين مصطلح يشير إلى عمليّة تشاركية بين المُمكن والمُمكن له مما يعني اشراك الأفراد الذين تحت مسؤولية المؤثرين في عمليّات التأثير التي يقومون بها وحين وجهت «الرواد» اهتمامها لعمليات تمكين القيم بنظرة شاملة وعميقة وعملية، تهتم بإحداث الأثر الواضح على أكثر من صعيد؛ أنجزت حزمة إجراءات يأخذها المؤثرون أو من في حكمهم؛ لتمكين القيم لدى الأفراد. وقد أخذت بالحسبان اختلاف القيم ومفهومها ونوعها وترتيبها من منظومة إلى أخرى، الأمر الذي يترتب عليه اختلاف أساليب تمكين القيم، كما أن نتائج دراسة واقع القيم المنظميّة وتحديد فجواتها يوجه البرامج المناسبة لعمليات تمكين القيم ، التي تنطلق في مسارات عدة هي: التهيئة، التربية، التعليم، التدريب والتثقيف، وفيما يلي إيجاز عن هذه المسارات :

تهيئة البيئة الحاضنة للقيم
من غير العدل أن نطالب الأفراد بتمثّل القيم وظهورها على سلوكاتهم وممارساتهم دون أن نطالب البيئة الحاضنة لهم كذلك بتوفير متطلبات تلك القيم التي تنادي بها البيئة الحاضنة أياً كان نوعها فالبيئة تؤدي دورًا كبـيرًا في تمكين القيم لدى الأفراد في إطار ما تهيئه من مواصفات وخصائص وإجراءات وأنظمة لتمكين القيم. كل ما من شأنه أن يكون مساعدًا على اكتساب القيم التي تتبناها البيئة بالذات وليست متطلبات عامة، سواء كان ذلك ماديًا أو معنويًا، تتناسب مع طبيعةَ المؤثرين والمتأثرين في البيئة. وقد اهتمت «الرواد لبناء القيم» بهذا الأمر أثناء عملية تجسيد القيمة؛ حيث حددت لكل قيمة ما يجب على البيئة الحاضنة توفيره لها من إجراءات تمكينها لتحويل القيم من شعارات تتغنى بها البيئة إلى التزامات تقدمها وتفي بها أمام أفرادها المنتمين لها.

المسار الأول

التربية
الأسرة المسؤولة الأولى عن تربية الأبناء التي يفتح الطفل عينيه عليها، وهي تمثل المنظمة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لبناء القيم لدى أفرادها، ويقود هذه المنظمة بشكلٍ مباشر الوالدان (أو من في حكمهما) اللذان يمثلان المؤثر الرئيس في هذه البيئة الحاضنة. ويقومان بإكساب القيم لأبنائهما من خلال تربيتهم وتوفير متطلبات البيئة الحاضنة لقيم الأسرة، منطلقين من اكتسابهم لتلك القيم ليكونوا قدوة حسنة لأبنائهم.
التربية مهمة الوالدان ومن في حكمهما ويشاركهما بشكل يسير المعلم وأفراد المجتمع المحلي وحين يقدّر الوالدان ومن في حكمهما دورهم التربوي وأهمية القيم وكيفية بنائها وتمكينها عند الأبناء، فإنهم لا شك سيصنعان اللبنة الأولى في منظومة القيم الشخصية لأبنائهم، وكلما أدرك الوالدان أنهما المسؤولان أمام الله أولًا ثم أمام المجتمع باعتبارهما الراعي الأساس، كلما استطاعا تقديم أبناء صالحين ونافعين لأنفسهم ولمجتمعهم، وقد عملت «الرواد» على إنجاز برامج تثقيفية وتدريبية متخصصة للوالدين أو من في حكمهما لمساعدتهم على تكوين منظومة القيم الأسرية وعلى إكساب قيم المنظومة لدى أبنائهم بشكل عام.

المسار الثاني

التعليم
المؤسسات التعليمية كافة من رياض الأطفال إلى الجامعة وهي تؤدي وظيفتها الأساسية التعليم يجب عليها تأدية وظيفة أخرى وهي وظيفة تمكين القيم ويكون ذلك إما من خلال التعليم المباشر للقيم أو دمجها في المناهج التعليمية والأنشطة المصاحبة، ويراعى في ذلك ارتقاء القيم لدى الأفراد بدءًا برياض الأطفال وحتى المرحلة الجامعية. وتأتي أهمية المدرسة بالذات باعتبارها أكبرَ المؤسسات مسؤولية عن تمكين القيم بعد الأسرة حيث تساهم بشكل كبير في تهيئة البناء المعرفي عند الطلبة. فدور المعلمين والمنهاج بالغ الأهمية في المواقف التعليمية التي تمكن القيم بصورة مباشرة أو غير مباشرة للقيم التعليمية/التعلمية أو القيم الوطنية أو قيم أخرى وسواءً كانت في أنشطة خاصة بالقيم أو من خلال عمليات إدماجها في المنهاج الدراسي والأنشطة الطلابية.

المسار الثالث

التثقيف
 مسار التثقيف مسار يشمل كل البيئات الحاضنة وجميع أنواع المؤثرين والمتأثرين، وعمليات التثقيف تكون في مسارين فرعيين الأول التثقيف بأهمية القيم بشكل عام وضرورة الاهتمام بها من كل الأفراد والمنظمات وابراز المنافع الكبيرة والعوائد الإيجابية لها، والمسار الفرعي الثاني في التثقيف هو المسار المركّز في منظومة قيميّة خاصة أو حول قيمة بعينها وشرحها وإيضاح مكوناتها ومخاطر عدم التمثل بها ومنافعها المتنوعة وعوائدها الإيجابية على الأفراد والمنظمات والمجتمعات. وقد تكون عمليات التثقيف موجهة نحو فئة محددة من المستهدفين وقد تكون عمليات تثقيف تستهدف شرائح كبيرة من المجتمع أو المجتمع بكامل أطيافه. ويتحقق ذلك كله من خلال إنتاج مجموعة من البرامج التثقيفية والإعلامية والأنشـطة والممارسـات ضمن إطــار توعــوي هــادف يتناسـب والمراحـل العمريـة لأفراد المجتمع واهتماماتهم ويصاغ بأساليب إبداعية تتجاوز الطرق التقليدية التي تتوافق مع إهتمامات المستهدفين. ويشارك في تنفيذه كل أطياف المجتمع ومؤسساته. ولأجل ذلك أنتجت «الرواد» دليل نشر الثقافة القيمية وتدعو المؤثرين في الرأي العام إلى المساهمة في عمليات التثقيف تلك.

المسار الرابع

التدريب
يوجه التدريب في مجال القيم إلى المؤثر المسؤول وإلى الأفراد بشكلٍ عام، ولكنه يختلف في محتواه وطريقته حسب الفئة المستهدفة ودورها في عملية بناء القيم وتمكينها، واستنادًا إلى عمليات تجسيد القيم التي قامت بها «الرواد لبناء القيم»؛ فقد بنت «الرواد» عددًا كبيرًا من البرامج التدريبية التي تغطي القيم الشائعة في العالم وهي موجهة إلى الرعاة والمؤثرين المسؤولين عن الأفراد على اختلاف أنواعهم لمساعدتهم في تمكين قيم الأفراد الذين يرعونهم، وتجدر الإشارة أن هذه البرامج التدريبية برامج عامة تجري عليها عمليات موائمة مع نوع وطبيعة المستفيدين منها قبل تنفيذها.

المسار الخامس

وتعتمد «الرواد» منهجيتي: «التدريب الجاد» و«رواد المعرفة» في بناء المواد التدريبية وفي عمليات تنفيذ التدريب، وهاتان المنهجيتان من إنتاج الشركات الشقيقة في مجموعة الرواد.
والشكل التالي يوضح التقاطعات بين مسارات تمكين القيم والبيئات الحاضنة للأفراد والمؤثرين فيهم.