إشكال المصطلح

المدخل الصحيح لدراسة أي موضوع هو تعريف اللفظ لغةً واصطلاحًا؛ إذ يُيسر ذلك عملية الفهم ويحدد الإطار العام له، ويميزه عن بقية الموضوعات المشابهة له.

المعنى اللغوي للقيمة

بعد مراجعة أغلب أمهات قواميس اللغتين العربية والإنجليزية، يتضح جليًّا أن الجذر اللغوي لكملة «القيم» «Value» لا يتوافق إطلاقًا مع المفهوم السائد والمعنى المتداول في الأطر النظرية التي تدرس القيم.
فأمهات قواميس اللغة العربية ورد فيها استعمال لفظ «القيمة» بمعنى الثمن، وبمعنى «الثبات» و»الاستقرار»، فالقيمة واحدة القيم، وأصله الواو (ق و م )؛ لأنه يقوم مقام الشيء، يقال: قوّمت السلعة. وتأتي بمعنى الاستقامة والاعتدال، وقومت الشيء فهو قويم أي مستقيم، والقوام العدل، قال الله تعالى: (وكان بين ذلك قواماً) الفرقان؛ آية:67.
وقوام الرجل أيضًا قامته وحسن طوله. والقائم في الملك الحافظ له، والمقام والمقامة المكان الذي تقيم فيه، وماء قائمٌ أي دائم وما لفلانٍ قيمة: إذا لم يدم على شيءٍ. (ينظر: لسان العرب 1994، القاموس المحيط2005، مقاييس اللغة1979، مختار الصحاح1999، وتهذيب اللغة2001، والفروق اللغوية2014، معجم الصواب اللغوي2008، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية1979م، والقرارات المجمعية في الألفاظ والأساليب من 1943إلى 1987م ومعجم الصواب اللغوي؛ دليل المثقف العربي 2008 م). وفي قواميس اللغة الإنجليزية تعرّف كلمة (Value) بأنها مفهوم بمعنى الشيء الثمين ذو الأهمية، ويرجع في أصله الاشتقاقي إلى الفعل اللاتيني(Valeo) الذي يدل على القوة، ومعناه الأصلي «أنا قوي»، أو «أنا أتمتع بصحة جيدة».
فيشمل من هذه الناحية الشجاعة والصلابة والقوة، ومعانيَ أخرى كالتأثير في الأشياء، والقدرة على ترك بصمات قويّة عليها، وفي اللغة الفرنسية Valear بمعنى «القوة والشجاعة»، ينظر:

(Porter, 1996; Webster’s Revised Unabridged Dictionary, Version published 1913; Springfield, 1998; Orris, 1969; American heritage dictionary of the English language. American heritage Dictionary, .913; Dictionary, 2008; Cambridge Advanced Learner’s Dictionary)

وذلك يعني أن التعريفات اللغوية لمصطلح القيمة في الأدب النظري المعني بالقيم قد تم تطويعها لتتوافق مع المعنى الاصطلاحي السائد، حتى لو أيّدت ذلك بعض قواميس اللغة الحديثة، كما أن التراث المعرفي العربي والإسلامي بجميع تخصصاته وكذلك كتب الأدب الأجنبي قبل مئة عام، لم تتناول مصطلح القيم (Value) على الإطلاق كما هو منتشر الآن.

المعنى الاصطلاحي للقيم

نظرًا إلى أن مفهوم «القيم» يدخل في مجالات العلوم الإنسانية كافة، فقد تنوّعت معانيه الاصطلاحية تبعًا للمجال والأساس النظري الذي ينطلق منه. إذ تعددت تعريفات العلماء والمتخصصين في العلوم الإنسانية في العصر الحديث، وأصبحت لا حصر لها. ومنها تعريف روكيش وهو الأشهر (Rokeach, 1973 p. 36) ، الذي عرّفها بأنها «اعتقاد دائم (ثابت) بأنَّ نمطًا معينًا من التصرفات أو النواتج القائمة تعد شخصيًا أو اجتماعيًا مفضلة على نمط آخر من التصرفات أو النواتج القائمة، وأنها تمثيلات معرفية لحاجات الفرد أو المجتمع، وأنَّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه عمل مثل هذه التمثيلات».
وتداخل مفهوم القيم مع مفاهيم أخرى أبرزها الأخلاق، ويُلخص (خليفة1992) الفرق بين القيم وبين المفاهيم الأخرى (الحاجات، الدوافع، الميول، الاتجاهات) القريبة منها، بالقول إن القيم تتميز عن المفاهيم السابقة كافة في أنها أكثر تجريدًا وعمومية، ومحددة لاتجاهات الفرد واهتماماته وسلوكه. كما أنها تتسم بخاصية الوجوب أو الإلزام التي تُكتسب في ضوء معايير المجتمع والإطار الحضاري الذي تنتمي إليه هذه القيم. وهي خاصية تختلف باختلاف نوع القيمة، فالقيم الوسيلية (أو الوسيطة) مثلاً، تتميز بهذه الخاصية عن القيم الغائية، كما تتميز بها القيم الوسيلية الأخلاقية عن القيم الوسيلية التي تتعلق بالكفاءة. فالفرد يشعر بضغوط كبيرة عليه لكي يسلك بأمانة ومسؤولية أكثر من الضغوط لأن يسلك بذكاء أو منطقية.
إن مزيدًا من الفهم للقيم، يتطلب التفريق بينها وبين المفاهيم الأخرى الأكثر تداخلًا مثل: الأخلاق والمبادئ والقانون والأعراف. وفيما يلي إشارة موجزة إلى بعض تلك الفروقات.

 

الفرق بين القيم والأخلاق

تتباين وجهات نظر المفكرين والباحثين حول العلاقة بين القيم والأخلاق والفرق بينهما، فمنهم من يرى أن بينهما اتفاقًا وبالتالي يرون عدم التفريق بينهما، وأنهما وجهان لعملة واحدة. ومنهم من يرى أن بينهما فروقًا، طفيفة ولأهمية الموضوع في التفريق بينهما نعرض وجهة نظرنا التي تلخص أوجه الاختلاف بين المصطلحين ومنها:

  • تنقسم القيم إلى أنواع عدة، منها: الإيمانية، الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الجمالية والأخلاقية. وهذا النوع الأخير هو ذاته الأخلاق، وبذلك تكون الأخلاق جزءً من القيم.
  • الأخلاق والقيم تشمل الحسن والسيئ فهناك خُــلق حسن وخُـلق سيئ وكذلك القيم؛ لكن الفرق يكمن في أن الفرد يجب أن يتخلّـق بالأخلاق الحسنة ويُعاب عليه لو تخلّق بالأخلاق السيئة دون استثناء أي خلق منها.
    بينما في المقابل يُـفضـل أن يتمثل الفرد كل القيم الحسنة لكنه لا يجب عليه تمثلها كلها بالضرورة، فعدم تمثله لقيمة الابتكار مثلاً لا يخلّ بشخصيته كما هو الحال إن لم يتخلق بالأخلاق الحسنة.
  • القيم قد تكون إنسانية بحتة ترتكز على الفطرة السليمة؛ بينما الأخلاق لها بُعد ديني كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) سنن البيهقي. وبطبيعة الحال، فإن الأخلاق تختلف وتتباين باختلاف المجتمعات، والشرائع الدينية والعقائد والعادات والأعراف والتقاليد؛ بينما تتفق أغلب المجتمعات والأوطان على القيم.
  • الأخلاق والقيم سمة يوصف بها الفرد فيقال: «شخصٌ لديه أخلاق وقيم حسنة أو سيئة» بينما توصف مؤسسات الأعمال بأن لديها قيم جيدة أو سيئة، كما أن الأخلاق تطغى في مجتمع الأسرة والمدرسة أو المجتمع بصورة عامة، ويهتم بها الراعون للأفراد والمسؤولون عنهم في تلك البيئات ، بينما تظهر القيم بشكل أكبر في المؤسسات الخدمية والانتاجيّة.

الفرق بين القيم والمبادئ

المبادئ، جمع مبدأ، وهو القاعدة الأولى الأساس للشيء والقواعد الحاكمة لأي مجال، مثل مبادئ التفكير أي: القواعد التي تحكم عملية التفكير، ومبادئ العلم أو النظرية، ويستخدمها بعض الباحثين مرادفًا للقيم خاصة في المفهوم الفلسفي إذ تعرف بأنها؛ كل ما يعتقده المرء ويكون مؤثرًا في توجيه عمله في السياسة أو الأخلاق أو الفنّ أو أيّ عمل من الأعمال، والفارق الأساس بينها وبين القيم أن الأولى تختص بالجانب الفكري المعتقدي فقط وتكون على شكل جمل وليست كلمات مفردة؛ فالمبادئ قوالب فكرية، تطورت بتراكم الخبرة، ومصادرها متنوعة (الدين، التربية، العادات، القناعات الشخصية، الخبرة…)، وهي تشكل نظرتنا الكلية للحياة، وتعمل على تفسير الواقع وإكسابه معنى؛ كما تتدخل في صياغة قيمنا وترتيبها.

الفرق بين القيم والقوانين

تُعد القيم قناعات داخلية للفرد ومتصالحة مع ذاته، بل وتشكل الجانب المثالي فيه، حيث تلزم الإنسان بعمل شيء متوافق معها، وتجبره على الابتعاد عمّا يخالفها.
بخلاف القانون الذي يكتسب صفة الإلزام الخارجية وليس له علاقة بقناعة الفرد؛ لأنه يُوضع لكل الناس، ويحاول واضعوه مراعاة مستويات الأفراد؛ فيستوي أمام القانون الذكي والأقل ذكاء، والغني والفقير، لذلك لا خيار فيه.
كما تهدف القيم إلى تشريع السلوك والدعوة إليه، بخلاف القانون الذي ينظم الحقوق والواجبات، فالقيم تسبق القانون بدرجة، وإنما يأتي القانون لتنظيم القيم السامية التي أمر بها، ويجعلها ثابتة في ضمير الفرد والمجتمع. ولأن القانون يُنظم تلك القيم القانونية بهدف تطبيقها فإنه لا ينظم إلا جزءًا يسيرًا منها، بينما تبقى البقية الباقية على صورة يطبقها الناس طواعية.

 

الفرق بين القيم والأعراف

العرف صورة غير مكتوبة للقانون، وله نفس صفاته، وبالتالي فروقاته مع القيم هي فروقات القيم عن القانون ذاتها. فالأعراف بشكلٍ عام عبارة عن أشياء تعارف عليها الأفراد ومع مرور الزمن أصبحت ملزمة لهم. وفي المنظمة تشكل الأعراف معايير يلتزم بها العاملون فيها باعتبارها معايير مفيدة للمنظمة وبيئة العمل.

الراعي والمؤثر المسؤول

كل شخص أو مجموعة أشخاص أو جهة اعتبارية (الوالدان، والمعلم /المنهاج، والمدير، وقادة المجتمع والحاكم) تتولى رئاسة أو إدارة البيئة الحاضنة للأفراد وتملك السلطة عليها، وهو المسؤول عن تمكين القيم لدى الأفراد المنتمين إلى تلك البيئات (الأسرة والمدرسة، والمؤسسة، والمجتمع، والوطن).

حل الإشكال

إن «القيمة وجمعها القيم» في الأدبيات الحديثة؛ مصطلح حديث النشأة وليس له أصل قديم في التراث الإنساني. وإن الأطر النظرية استخدمته تجاوزًا ليعبر عن مفهوم جديد تم ابتكاره لمفهوم أعم من الأخلاق ويختلف عن القوانين والأعراف والمبادئ. كما أنّ مفهوم القيم وإن كان ظاهره يشير إلى أنه ينتمي إلى العلوم الإنسانية وعلم النفس وعلم الاجتماع على وجه الخصوص، إلا أنه قد يتجاوزها إلى علم الإدارة والسياسة؛ حيث الحديث عن القيم المؤسسية والوطنية.
وعليه، فإن «الرواد لبناء القيم» ترى أنه يتوجب الإقرار ابتداءً بإشكال المصطلح وأنه حديث النشأة، وأن أي باحث فيه يجب أن ينطلق من تعريف اصطلاحي أو إجرائي يتبناه، ثم يعرّف المفاهيم المرتبطة به قبل عرض نظريته أو فلسفته، وهذا ما فعله بعض الباحثين.
وهو ما ستعرضه «الرواد» لاحقًا وتنطلق من بعده إلى شرح فلسفتها في فهم القيم. كما أن من المفيد أن يتم توضيح الغاية النهائية من البحث في موضوع القيم؛ لأن تلك الغاية ستقود بالتأكيد إلى تعريف المصطلح وشرح فلسفة الباحث في فهم القيم، وذلك لم يكن جليًا في أغلب الأطر الفكرية والمفاهيمية العربية التي اشتغلت على موضوع القيم.