منظومة القيم

يعرف ولمان (Wolman) المنظومة في قاموس العلوم الاجتماعية بأنها مجموعة من العناصر لها نظام معين، وتدخل في علاقات بينيه، وتؤدي وظيفة معينة للفرد». وعرفها روكيش (Rokeach)، بأنها «مجموعة القيم». ومن هذين التعريفين، يمكن القول أنّ منظومة القيمة -بصفة عامة- تشمل مجموعة قيم توجد بينها علاقات وتفاعلات، وتعمل معًا لكي تؤدي وظيفة معينة، وأنّ مستوى تعقيد المنظومة يختلف بحسب عدد قيمها. ومن خلال مراجعة الدراسات العلمية في مجال منظومات القيم نجد أنه من الصعب بمكان حصر هذه المنظومات ومسمياتها؛ ولعل مرد ذلك هو تعدد المعايير والأسس التي اتبعها الباحثون في تصنيفهم وتسميتهم للمنظومات القيمية، كما هو الحال عليه في تصنيف القيم نفسها إلى أنواع. بل قد نجد أن مجموعة القيم الواحدة تسمى بأسماء عدة، فمثلاً يسمي البعض قيم النظام والكرم والعطف بمنظومة القيم التربوية، وهناك من يجمع قيم التقوى والحياء والتواضع وحب الوطن في منظومة القيم التربوية أيضًا. في حين يسمي البعض المنظومة تبعاً لقيمة واحدة فقط.

ولفهم التصنيف الذي جاءت به «الرواد لبناء القيم»، يجب أن تُعرف أولاً أهم المصطلحات والمفاهيم الواردة في تصنيفنا لمنظومة القيم. وهي:

  • كل شخص أو مجموعة أشخاص أو جهة اعتبارية تتولى رئاسة أو إدارة البيئة الحاضنة وتملك السلطة عليها، وهم المسؤولون عن تثقيف وتمكين القيم لدى الأفراد المنتمين إلى تلك البيئات. وهذا يعني أن أول مؤثر مباشر يتعرض إليه الفرد في دورة حياته هما الوالدين في الأسرة أو من في حكمهما، ثم ينتقل هذا التأثير المباشر إلى المدرسة على وجه العموم وبتأثير مباشر للمعلم والمنهاج اللذين يساهمان بشكل رئيس في تشكيل منظومة القيم التعليميّة والتعلمية لدى الطالب، وفي تهيئة البعد المعرفي لديه، وهذا التأثير يومي في كل من مواقف التعليم، ويتم ذلك بقصد أو بغير قصد؛ بتأثير من المنهاج الذي يدرسه الطالب أو من خلال ما يقوله أو يتصرف به المعلم. وتتشكل أيضًا منظومة قيمه الشخصية والوطنية والمجتمعية بشكل ابتدائي.
    ثم ينتقل الفرد إلى بيئة العمل الحكومية أو في القطاع الخاص ليشكل رب العمل المالك أو المدير (قائد العمل) ومن في حكمه؛ المؤثر المسؤول في تشكيل منظومة القيم المنظمية لديه، والتي تظهر بدرجة اكتسابه لقيم بيئة العمل التي يعمل فيها أو ينتمي إليها. وفي المحصلة النهائية، فإن الفرد يبقى تحت تأثير مباشر لإرادة الدولة ومؤسساتها ونهجها وسياستها -المظلة الكبرى- التي تعد المساهِمة المباشرة في تشكيل منظومة القيم الوطنية لديه. وهذا الراعي والمؤثر المباشر المسؤول هو الذي نستهدفه بخدماتنا بشكل أساس ومباشر.
  • كيان اعتباري أو فردي (قادة الرأي في العالم والمؤثرون ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي ومؤسسات المجتمع المدني) يؤثر في الأفراد وفي بيئاتهم ومؤسساتهم الحاضنة بصورة غير مباشرةٍ لكنه لا يملك السلطة، ويساهم المؤثرون غير المسؤولين بشكل غير مباشر في نشر ثقافة القيم وتمكينها عند الأفراد من خلال القيم التي ينشرونها؛ ويتعرض الفرد لها (طفل أو طالب أو عامل أو أي فرد في المجتمع) باعتباره مستهدفًا مباشرًا للمؤثرين غير المسؤولين طيلة دورة حياته وفي جميع البيئات الحاضنة التي يتواجد فيها.
  • وهي المكان الذي ينشأ أو يتواجد أو يعمل فيه الفرد؛ إذ تأخذ البيئة الحاضنة مسميات عدة في منهجية «الرواد لبناء القيم»، وتنقسم تلك البيئات إلى أربعة أنواع رئيسة، ومعيار التقسيم هو ذاته معيار تصنيف القيم؛ الراعي والمؤثر المسؤول عن الفرد؛ على النحو التالي:

    الأول:بيئة الفرد الذاتية باعتبارها حاضنة لقيمه الشخصيّة.
    الثاني: البيئات المنظميّة، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع هي: بيئة الأسرة، بيئة التعلّم والتعليم، بيئة العمل.
    الثالث: بيئة الوطن
    الرابع: بيئة المجتمع على اختلاف أنواعه.
    وهنا، لا بد من الأخذ بالحسبان أنّ متطلبات البيئة الحاضنة لتحقيق قيمها تختلف من بيئة حاضنة إلى أخرى، وهنا، لا بد من الأخذ بالحسبان أنّ متطلبات البيئة الحاضنة لتحقيق قيمها تختلف من بيئة حاضنة إلى أخرى، وأن متطلبات القيمة الواحدة أيضًا تختلف من بيئة حاضنة إلى أخرى؛ فقيمة الصدق مثلًا عند الأبناء تكون متطلباتها في الأسرة مختلفة تمامًا عن متطلباتها في المدرسة، وكذلك في البيئة المنظمية، وفي المجتمع عامةً، ولكل بيئة خصوصيتها كما تبين ذلك المصفوفة التالية:

    المعايير  البيئة الفرد المنظمة
    (الأسرة، المدرسة، المؤسسة)
    الوطن المجتمع
    الراعي والقائد الذات معروف ومتفق عليه. معروف ومتفق عليه غير معروف وغير متفق عليه في الغالب
    البيئة متنقلّة مع الفرد محصورة في مكان محدد كامل أرض الوطن متنوعة
    عدد الأفراد واحد معروف ومحدد محدد غير محدد
    النظام والقانون ذاتي واضح ومعلن وملزم (غير مكتوب عند الأسرة) مشتق من الدستور العرف يحل محل القانون والنظام

    خصائص البيئات الحاضنة للقيم
  • حين تتحدث أغلب الأطر الفكرية والنظرية عن تعزيز القيم عند الأفراد فإنها تخلط ما بين الأفراد باعتبارهم مسؤولين عن أنفسهم وبين الأفراد المسؤولين عن أفراد آخرين يرعونهم ويتحملون مسؤوليات البيئات الحاضنة لهم، وبين أفراد غير مسؤولين عن رعاية أحد، ولكن لهم تأثير كبير على أفراد المجتمع. وحتى نستطيع تمكين القيم عند الأفراد؛ فإننا نتوجه إليهم من خلال الرعاة لهم، والمسؤولين عنهم في البيئات والمنظمات التي تجمعهم معاً، فالرعاة هم وسطاؤنا في الخدمة؛ باعتبارهم مؤثرين مسؤولين. وكذلك الحال عندما نريد أن ننشر ثقافة القيم في المجتمع بوجهٍ عام فنتجه إلى المؤثرين غير المسؤولين-وسطائنا في الخدمة – الذين يتيحون لنا الفرصة لإيصال ما نريد للأفراد المستهدفين غير المباشرين بخدماتنا. لذا، فإن «الرواد لبناء القيم» تقدم خدماتها لجمهور واسع من المستفيدين الذين يمكن تجميعهم في فئتين.

  • المستهدفون المباشرون هم ذاتهم المؤثرون المسؤولون وغير المسؤولين الذين تخدمهم «الرواد لبناء القيم» بالدرجة الأولى، ويمثلون وسيطاً ليخدم الأفراد الذين يرعاهم سواء أكانوا فرداً أم مجموعة من الأفراد أو جهةً اعتبارية، وذلك باعتبار المستهدفين المباشرين هم مسؤولين عن بناء القيم وتمكينها ونشر ثقافة القيم من خلال برامج التربية والتعليم والتدريب والتثقيف التي تتبناها البيئة الحاضنة ومن خلال توفير متطلبات البيئة الحاضنة الداعمة لبناء القيم وتمكينها في جميع البيئات. ويختلف شكل استهداف المؤثرين المسؤولين باختلاف بيئاتهم الحاضنة؛ فالنوع الأول: وهم المؤثرون المسؤولون مثل الوالدين باعتبارهما مستهدفين مباشرين، تكون أفضل الوسائل لبناء القيم وتمكينها هي تدريبهم على الأساليب التربوية الوالدية، ثم يصبح المعلمون في المدارس والجامعات هم المستهدفون من خلال التدريب، ثم المنهاج من خلال دمج القيم بالمحتوى التعليمي، أما المديرين في القطاعين العام والخاص فيكون الاستهداف من خلال التدريب أيضاً والحث على توفير متطلبات البيئة الحاضنة لقيمة ما.
    أما النوع الثاني – وهم المؤثرون غير المسؤولين – فهم المؤثرون في المجتمع والعالم بصورة عامة؛ باعتبارهم مستهدفا مباشرا لخدماتنا من خلال دعوتهم لنشر ثقافة القيم وتمكينها عبر وسائل تواصلهم الاجتماعي.
    وقد يكون الفرد باعتباره مؤثراً في منظومة قيمه الشخصية؛ مستهدفاً مباشراً، لكن على نطاق ضيق جداً، وهم الأفراد الذين يسعون من تلقاء أنفسهم إلى طلب برامج تمكين القيم لديهم.
  • مجموع الأفراد المنضوين تحت مسؤولية ورعاية المؤثرين المسؤولين وعموم أفراد المجتمع الذين تستهدفهم «الرواد لبناء القيم» بصورة غير مباشرةٍ من خلال الوسيط. إذ لا نستطيع التعامل مع هؤلاء الأفراد مباشرةً ولكن من خلال المؤثرين في البيئات الحاضنة التي تجمعهم. فبالنسبة لبيئة الأسرة فإن المستهدفين غير المباشرين في الأسرة هم الأبناء، والطلبة في المدارس والجامعات، والعاملون في مؤسسات القطاعين العام والخاص وأفراد المجتمع عامةً. ويختلف شكل الاستهداف باختلاف بيئاتهم الحاضنة.
  • وهو البيئة الكبيرة الشاملة التي يعيش فيها كل الناس وتضم منظمات عالميّة أو محلية، وأفرادا من أي مكان في العالم أو من المجتمع نفسه، ومن يعملون بحريّة مطلقة في الغالب في فضاء المعرفة ويؤثرون من خلال منظماتهم أو وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو أي منفذ يستطيعون فيه توجيه رسائلهم للناس عامة.
    وكل هؤلاء الذين يعملون في هذا الفضاء والسياق العالمي هم مؤثرون على أفراد المجتمع على الرغم من أنهم غير مسؤولين عنهم بل قد يكون تأثيرهم أقوى من تأثير الرعاة المسؤولين عنهم.