أبعاد القيمة

حيث إن القيم مفهوم مجرّد على الغالب، ولكي يتم تحديد ملامحه وتبديد التجريد فيها؛ فإن بيان أبعاد القيمة سيساعد على فهم أفضل لموضوع القيم.

إن غالب الأطر الفكرية والنظرية عامةً تنظر إلى أبعاد القيمة نظرة تحصرها في القيمة الشخصية للفرد، بينما هناك قيم لا يتم نسبتها إلى الفرد كما سبق الحديث عنه؛ حيث تنسب إلى الأسرة أو إلى مؤسسة التعليم أو مؤسسات العمل والمجتمع والوطن، وعليه فلا بد من الحديث أيضًا عن أبعاد تلك الأنواع من القيم التي سنسميها بالقيمة المنظمية للأنواع الثلاثة : (الأسرية والتعليمية والمؤسسية)، والقيم المجتمعية والوطنية والعالمية؛ على اعتبار أنها كيانات اعتبارية وليست قيمًا تنسب إلى الفرد.

أولًا: أبعاد القيمة الشخصية

تعرف «الرواد» القيمة الشخصية على أنها: «القيمة التي يؤمن بها الفرد من تلقاء نفسه، ولا ترتبط بعناصر البيئة الحاضنة بالضرورة»، وتتفق أغلبية الدراسات على أن القيمة تتكون من ثلاثة أبعاد ترتبط بعلاقات تفاعلية مستمرة ومتداخلة، وهذه الأبعاد هي: المعرفة، والانفعال (الوجدان)، والسلوك. ويمكننا إضافة بُعدٍ رابع أكثر عمقًا؛ وهو بُعد الاعتقاد. ومن المهم جدًا مراعاة هذه الأبعاد في فهم القيم، والتركيز عليها أثناء عمليات التجسيد والبناء، ووضع المؤشرات الدّالة عليها، وفيما يلي إيجاز عن هذه الأبعاد الأربعة:
  • يتصل هذا البعد بالعمليات العقلية والمعرفية التي تتعلق بإدراك الفرد للقيمة وطريقة فهمه لها، حيث تتحدد فيه القيمة باعتبارها وعيًا عقليًا، وبناءً معرفيًا، بما يستلزمانه من معلومات وتوضيحات حول هذه القيمة، تشكل فهم الفرد واكتسابه لها؛ إذ يحيل البعد المعرفي على المهارات العقلية التي يستخدمها الفرد في التعلم، من قبيل الفهم والتحليل والقياس والتذكر وغيرها… مثل أن يتعلم بأن الصدق هو مطابقة الكلام للواقع، وأن له أنواعًا: مثل صدق الحديث وصدق المعاملة، وأن للصدق فضائل وثمرات. والبعد المعرفي؛ بعدٌ خفي لا يمكن ملاحظته إلا من خلال السلوك الدال عليه.

  • يمثل هذا البعد الجانب الوجداني للقيم، حين يتشبع الفرد بالقيمة ويقتنع ويتعلق بها فتصبح مكونًا ذوقيًا عنده، يترجم إلى تفضيلات واختيارات تستعمل للانتقاء بين البدائل ولتوجيه السلوكات؛ فيبدي الفرد انفعالاً إيجابيًا إزاء المواقف والأفراد الذين يمثلون نموذجًا جيدًا لموضوع القيمة، ويبدي انفعالًا سلبيًا إزاء المواقف أو الأفراد الذين يمثلون نموذجًا سلبيًا لموضوع القيمة. نحو أن يفضل أن يكون صادقًا دائمًا، وأن تحفزه الرغبة الداخلية على التخلق بذلك حتى ولو رأى أن الكذب فيه منفعة عاجلة، وأنْ يُثمن مكانة الشخص الصادق، ويصبح محبا للصادقين ويكره الكاذبين، وهو بُعد خفي في الغالب وتظهر ملامحه في السلوك.

  • يظهر هذا البعد على شكل إيمان عميق وراسخ بالقيمة، وهو إيمان يتصف بالثبات رغم تغير المواقف وتنوعها، بل حتى في مواقف لا يظهر فيها لتبني القيمة فوائد مباشرة أو عاجلة؛ وقد يصل هذا الإيمان بالفرد إلى الجزم بالقيمة والتعصب لها دون مناقشتها أو تقييمها موضوعيا. وهذا بعد خفي لا يمكن ملاحظته إلا من خلال السلوك الدال عليه.

  • هو نتاج الأبعاد الثلاثة السابقة (المعرفة والانفعال والاعتقاد) حيث تتحول القيمة عند الفرد إلى عملية اختيارات وممارسات وسلوكات ظاهرة متنوعة: ما بين سلوك معين لتثمين شيء ما والإقبال عليه، أو العزوف عنه، أو القيام بفعل ما…، وذلك باتباع معايير سلوكية وذوقية تنبع من القيمة، ويتم تعديل أي سلوك يناقضها، وهذا هو البُعد الظاهر للقيمة، والشكل يوضح أبعاد القيم الشخصية.

ثانيًا: أبعاد القيمة المنظمية (الأسرة والمؤسسة التعليمية ومؤسسة العمل)

تعرف «الرواد» القيمة المنظميّة بأنها: «القيمة التي يتبناها رعاة البيئات ومالكوها وقادتها التي تملك السلطة على الأفراد ولها نظام يحكمها، وتعلنها وتدعو الأفراد المنتمين إليها لاعتقادها وتطبيقها والدفاع عنها داخل المنظمة وخارجها؛ وتنقسم إلى ثلاثة أنواع (الأسرية والتعليمية /التعلمية والمؤسسية).
وعلى غرار القيمة الشخصية، فإن القيمة المنظمية لها أبعادها أيضًا باعتبار أن المنظمة شخصية اعتبارية، وأبعادها تأتي من مصدرين؛ الأول: أبعاد القيمة الشخصية (المعرفة، الانفعال، الاعتقاد، السلوك) للأفراد أنفسهم الذين ينشأون في المنظمة أو يتعلمون فيها أو يعملون فيها. أما المصدر الآخر، فهي المتطلبات التي توفرها المنظمة لتوجد بيئة داعمة للقيم ومعززة لها، وتظهر على شكل خطط أو أنظمة أو إجراءات أو لوائح. وغالبًا ما تكون تلك المتطلبات التي توفرها المنظمة ظاهرة، أو مكتوبة ومعلنة، مع إمكان الوصول إليها؛ في المقابل، قد تكون المتطلبات التي توفرها بعض المنظمات غير معلنة؛ فالأسرة مثلًا ليس لها نظام أو إجراءات مكتوبة، فنظامها وإجراءاتها ضمنية، والقدوة فيها بمثابة النظام الداخلي للأسرة، لكنها بالتأكيد تتبع قائدًا متفقًا عليه.

ثالثًا: أبعاد القيمة المجتمعية

تعرف «الرواد» القيمة المجتمعية بأنها: «القيمةالتي تتبناها مجموعة من الناس صغرت مثل جماعة الرفاق، أو كبرت مثل مجتمع عرقي أو بين ذلك، وتدعو أفرادها المنتمين إليها إلى تبنيها باعتبارها معتقدات يؤمنون بها ويطبقونها ويدافعون عنها.
وعليه فإن الفرق بين المنظمة والمجتمع، هو أن المنظمة لها شخصية اعتبارية ظاهرة وأنظمة مكتوبة غالبًا، بينما يمثل المجتمع تجمعًا افتراضيًا أو مؤسسيًا لعدد من الأفراد، والحاكم فيه هو الأعراف السائدة غير المكتوبة. وعليه فإن القيم المجتمعية تحمل أبعاد القيم الشخصية ذاتها (المعرفة، الانفعال، الاعتقاد، السلوك)، إضافة إلى العادات والأعراف والتقاليد عدا أن البيئة الحاضنة لهذه القيم ليس لديها نظام مكتوب وفي غالب الأحيان ليس لها قائد متفق عليه.

رابعًا: أبعاد القيمة الوطنية

تعرف «الرواد» القيمة الوطنية؛ بأنها: »القيمة التي يتبناها الحاكم، وتُظهر التَعَلُّق العاطفي والولاء لأُمةٍ محددة بصفة خاصة واستثنائية عن البلدان الأخرى، وتجعل الفرد يحب بلده ويدعم سلطتها ويصون مصالحها، ويشعر بالفخر الوطني».
فيعد الوطن المظلة الأكبر التي تحوي كل المنظمات، ويعزز منظومته قانون حاكم وقائد واحد متفق عليه. وأبعاد القيم الوطنية، هي أبعاد القيمة الشخصية (المعرفة، الانفعال، الاعتقاد، السلوك)، في انسجام مع ما يقوم عليه الوطن من دستور، وقوانين نافذة.

خامسًا: أبعاد القيم العالمية

تعرف «الرواد» القيمة العالمية؛ بأنها: «القيم التي تتبناها المنظمات الدولية ذات العلاقة المباشرة بالدول مثل: هيئة الأمم المتحدة، ومنظمة اليونسيف، والبنك الدولي وغيرها، وتفرض تلك المنظمات قيمها على الدول المنضوية تحت لوائها».
وإذا كان الوطن هو مظلة المواطنين فيه، فكل مواطني الدول يعيشون في سياق عالمي، وتوجهه منظمات عالمية، تتفاوت في قدرتها على السيطرة والتأثير، وعليه فإن أبعاد القيم العالمية كما هي في الوطن والمجتمع تتكون من أبعاد القيم الشخصية (المعرفة، الانفعال، الاعتقاد، السلوك) وقوانين وأعراف عالمية.

سادسًا: أبعاد القيم المتنوعة

تعرف «الرواد» القيم المتنوعة بأنها القيم التي يتبناها المؤثرون غير المسؤولين ويتم بثها عبر الفضاء الإلكتروني، وهذه القيم حالها حال القيم الأخرى، تأتي أبعادها من مصدرين هما: المصدر الأول: أبعاد القيم الشخصية للأفراد الذين يعيشون في أي مكان بالعالم وفي جميع البيئات. المصدر الثاني: توجهات ورؤى ومعتقدات المؤثرين غير المسؤولين.