تصنيف القيم ومنظوماتها

وكما هو الحال عند المفكرين والمنظرين في اختلافهم في تعريف مصطلح القيمة؛ فإن الأراء تتعدد في عملية تصنيف القيم إلى مجموعات أو أنواع أو مجالات ومنظومات، تبعًا للمعايير التي يحتكم إليها الباحثون والمهتمون والمفكرون لتصنيف القيمة، الأمر الذي يجعل تصنيف منظومات القيم أمرًا متعدداً كذلك.

تصنيف القيم

هناك أسس عدة في تصنيف القيم إلى أنواع أو مجالات، من حيث الزاوية التي نظر إليها من بحثوا في القيم، وعلى أساسها وضعوا تصنيفاً خاصًا بها استنادًا إلى معيار معين: فاستخدم العالم الألماني سبرانجر (1928 , Spranger) معيار (محتوى موضوع القيمة أو مجالها والنشاط المرتبط بها): وصنفها على ضوئه إلى ستة أنواع هي: القيم النظرية أو العقلانية مثل سرعة البديهة، والاقتصادية مثل التنافس والإنتاج، والاجتماعية؛ مثل التطوع والإيثار والانتماء، والسياسية مثل النفوذ والقوة، والدينية مثل الإيمان بالغيبيات والعبادات، والجمالية مثل الحب والألوان(ذياب 1980).
كما استخدم وايت (1951, White) المعيار ذاته، وصنفها على ضوئه إلى: قيم جسمية، واجتماعية، وذاتية، وعملية، ومعرفية، وترويحية، وقيم اللعب، وقيم الأمن.
أما لويس (1964, Louis)، فقد صنّفها وفق معيار (أهي غاية أم وسيلة): فاعتبر أن القيم تنقسم إلى قيم غائية؛ وهي التي ينظر إليها المجتمع باعتبارها غايات مهمة في ذاتها مثل الفضائل بأنواعها المختلفة كالأمانة، وقيم الوسيلة؛ وهي التي لا تعد هدفًا لذاتها ولكنها مجرد وسائل لبلوغ غايات أخرى أهم؛ كالعمل من أجل بناء المستقبل والحياة الكريمة.
واستخدم كاندي (Candy) معيار (العمومية والخصوصية): فاعتبر أن هناك قيمًا عامة وأخرى اجتماعية، وهي التي يعتنقها أفراد المجتمع جميعهم؛ مثل قيم المساواة والحرية والتعاون والشورى والقيم المرغوبة في المجتمع مثل الصدق والأمانة. والقيم الخاصة أو الفردية وهي المتعلقة بجماعة أو فئة معينة داخل المجتمع الكبير، فهي قيم خاصة بالفرد وليس بالضرورة أن يكون الفرد فيها مشابها للآخرين مثل الطموح والمثابرة.
وقد قسمها أبو العينين (1988) استنادًا إلى معيار (الديمومة والانقطاع)، وخرج بالتقسيم التالي: قيم عابرة مثل القيم المتعلقة بالموضة وغيرها. وقيم دائمة ومستمرة وهي القيم الثابتة التي تنتقل من جيل إلى جيل، ويتمسك بها أفراد المجتمع عبر الزمن وهي عادة تمس مقدسات المجتمع ودينه وضروريات الحياة. وهناك من صنّفها حسب معيار (درجة إلزاميتها للأفراد والمجتمعات)، وخرج بأن هناك قيمًا ملزمة أو آمرة، وهي التي تمس كيان ومصلحة الفرد أو المجتمع على حد سواء، من الناحية الاجتماعية والخلقية والعقائدية، وتتسم بالقداسة كالفرائض؛ وقيمًا تفضيلية وهي التي ليست لها صفة القدسية، فالمجتمع يشجع عليها ولكنه لا يعاقب على تركها. وقيمًا مثالية وهي التي تقع في قمة الغايات ويحس الجميع باستحالة تحقيقها بصورة كاملة، ورغم ذلك فإن لها تأثيرًا كبيرًا في توجيه السلوك.

تصنيف الرواد للقيم

تستند تلك التصنيفات السابقة كلها إلى أسس نظرية خاصة بها، وإن كنا نقِر بتلك التصنيفات النظرية، وبأنها متضمَّنة داخل تصنيفات «الرواد لبناء القيم» فإننا لا نعوّل عليها وحدها في تصنيف القيم ومنظوماتها أو في عمليات إكسابها وتمكينها.

إذ أننا في «الرواد» نُركز على الجانب العملي التطبيقي، حيث إن الغاية النهائية للبحث والدراسة ليست إثراء الجانب النظري فقط، بل ودراسة كيفية بناء القيم وتمكينها. لذا، فقد اعتمدنا في تصنيفنا للقيم معيارًا خاصًا بنا مستندًا إلى الراعي والمؤثر المسؤول عن الأفراد والمعني ببناء القيم وتمكينها لديهم، وهو المعيار ذاته الذي في ضوئه قُسِمَت البيئات الحاضنة.

وعليه فإن التصنيف الذي اعتمدته الرواد للقيم؛ قد جاء على النحو التالي:
(1) القيم الشخصية: هي القيم التي يعتقدها الفرد ويقتنع بها ويؤمن بها من تلقاء نفسه، ولا ترتبط بعناصر البيئة الحاضنة بالضرورة.
(2) القيم المنظميّة: تشمل القيم الأسرية، والتعليمية/التعلمية والمؤسسية؛ وتعرف بأنها: القيمة التي تعلنها المنظمة وتوفر متطلباتها، ويكتسبها الفرد المنتمي لها أو العامل فيها.
(3) القيم المجتمعية: هي القيم التي تتبناها مجموعة من الناس صغرت مثل جماعة الرفاق، أو كبرت مثل مجتمع عرقي أو بين ذلك، وتدعو أفرادها المنتمين إليها إلى تبنيها باعتبارها معتقدات يؤمنون بها ويطبقونها ويدافعون عنها.
(4) القيم الوطنية: هي القيم التي يتبناها الحاكم، وتُظهر التعلُق العاطفي والولاء لأُمةٍ محددة بصفة خاصة واستثنائية عن البلدان الأخرى، وتجعل الفرد يحب بلده، ويدعم سلطتها، ويصون مصالحها، ويشعر بالفخر الوطني.
(5) القيم العالمية: وهي القيم التي تتبانها المنظمات الدولية وتفرضها على الدول المنظوية تحت لوائها.
(6) القيم المتنوعة: وهي القيم التي يبثها وينشرها المؤثرون غير المسؤولين في الفضاء الإلكتروني من خلال كل وسائل الاتصال المتاحة.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا يمكن حصر قيم بعينها لهذه الأنواع بل الأمر يعتمد على جوهر القيمة ووظيفتها وتناسبها مع تلك التصنيفات.

المعيار ( الراعي والمؤثر) البيئة نوع القيم ومنظوماتها
الــفرد الذات شخصية
الوالدان الأسرة (منظمية) أسرية
المعلم والمنهاج المدرسة /الجامعة (منظمية) تعليمية وتعلمية
المدير المؤسسة (منظمية) مؤسسية
قادة المجتمع المجتمع مجتمعية
الحاكم الوطن وطنية
المنظمات العالمية العالم عالمية
المؤثرون غير المسؤولين الفضاء الإلكتروني متنوعة

جدول: تصنيف البيئات ومنظوماتها حسب معيار الراعي والمؤثر

منظومات القيم

يعرف ولمان (Wolman) المنظومة في قاموس العلوم الاجتماعية بأنها مجموعة من العناصر لها نظام معين، وتدخل في علاقات بينيه، وتؤدي وظيفة معينة للفرد». وعرفها روكيش (1973, Rokeach)، بأنها «مجموعة القيم». ومن هذين التعريفين، يمكن القول أنّ منظومة القيمة -بصفة عامة- تشمل مجموعة قيم توجد بينها علاقات وتفاعلات، وتعمل معًا لكي تؤدي وظيفة معينة، وأنّ مستوى تعقيد المنظومة يختلف بحسب عدد قيمها. ومن خلال مراجعة الدراسات العلمية في مجال منظومات القيم نجد أنه من الصعب بمكان حصر هذه المنظومات ومسمياتها؛ ولعل مرد ذلك هو تعدد المعايير والأسس التي اتبعها الباحثون في تصنيفهم وتسميتهم للمنظومات القيمية، كما هو الحال عليه في تصنيف القيم نفسها إلى أنواع. بل قد نجد أن مجموعة القيم الواحدة تسمى بأسماء عدة، فمثلاً يسمي البعض قيم النظام والكرم والعطف بمنظومة القيم التربوية، وهناك من يجمع قيم التقوى والحياء والتواضع وحب الوطن في منظومة القيم التربوية أيضًا. في حين يسمي البعض المنظومة تبعاً لقيمة واحدة فقط.

تصنيف الرواد لمنظومات القيم

ترى الرواد أن تصنيف منظومات القيم يتوافق مع تصنيف فئات القيم ذاتها، ويتم استنادًا إلى المؤثرين المسؤولين وغير المسؤولين في تمكين القيم لدى الأفراد، وفي توفير البيئة الحاضنة والمعززة لها. وكما أن تصنيف «الرواد» لمنظومات القيم يُركز بصورة أساسية على الراعي للفرد والمؤثر في بناء القيم، فإنه يراعي أيضًا المراحل الطبيعية لنمو الفرد وتنشئته ودورة حياته. فتصنيف «الرواد» لمنظومات القيم ينقسم إلى سبع منظومات هي: منظومة القيم الأسرية، ومنظومة القيم التعليمية والتعلمية، ومنظومة القيم المؤسسية، ومنظومة القيم المجتمعية، ومنظومة القيم الوطنية، ومنظومة القيم العالمية، التي تدور جميعها حول محور واحد هو الفرد الذي له هو الآخر منظومته الشخصيّة وهو الراعي الأول لنفسه والمؤثر فيها.

وفي ما يلي موجز عن كل منظومة مجمعة في خمس مجموعات هي:

هي مجموعة القيم التي يتبناها الفرد من تلقاء نفسه وهو الراعي لها، ويختلف عدد القيم في داخلها ونوعها وترتيبها من فرد إلى آخر حسب أهدافه واهتماماته وأولوياته، فنجد في هذه المنظومة قيمًا يمكن أنْ تنضوي تحت مسميات عدة، منها: القيم الأخلاقية، والاقتصادية، والجمالية، والنظرية، والاجتماعية، والسياسية وغيرها.

حيث إن البيئات الثلاث (الأسرة والمدرسة ومؤسسة العمل) تختلف عن البيئات الأخرى وتتفق في خصائص عديدة منها أن قائدها متفق عليه ومكانها محدد وعدد أفرادها ومحصور، ونظامها معروف واضح ومعلن، وتأخذ صيغة المنظمة لذلك جعلناها قسماً مستقلاً يضم في داخله أنواعاً ثلاثة هي:
١. منظومة القيم الأسرية.
لكون الإنسان اجتماعيًا بطبعه، فهو يولد ويعيش ضمن أسرة، والأسرة أصغر منظمة في المجتمع، وهي إحدى المؤسسات التربوية التي يبدأ بها مسيرة تنشئته الاجتماعية، وتمثل الوعاء القيمي الذي يتشرّب منه الأبناء والبنات القيم التي يتفق عليها المسؤولون عنهم، وهما الوالدان أو من في حكمهما.
لذا فإن منظومة القيم الأسرية توضع وفق رغبات ربّ الأسرة وطموح أفرادها، مع المحافظة على الجوانب الإيجابية والحميدة في عاداتهم وتقاليدهم. وفيها يتحدد دور الفرد على شكل سلوكات تبين اكتسابه لقيمها.في المقابل، فإنه يتوجب على الأسرة أن تقوم بإجراءات عدة من شأنها حضانة وتمكين القيم المرغوبة التي تسعى إلى تمليكها لأفرادها، وتكون قد هيأت لهم وعاءً قيميًا مساعدًا على اكتساب القيم والتحلي بها مراعيةً ومعترفةً بضعف نفوذها وقدرتها على التأثير في ظل المنافسة الكبيرة من الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ومزاحمة المؤثرين غير المسؤولين في قدرتها على تكوين منظومة الأسرة وقيم أفرادها.
٢. منظومة القيم التعليمية والتعلمية
يُنظر إلى هذه المنظومة من قبل «الرواد لبناء القيم» بشكلٍ مختلف عن بقية المنظومات. إذ تم تناولها من خلال مكونين رئيسين، هما: المعلم أو الهيئة التعليمية (الذي تمثل التعليم)؛ والمنهاج (الذي يمثل التعلم)، لما لهما من أثر مباشر في بناء القيم وتمكينها لدى الطالب الذي يمثل محور العملية التعليمية والتعلمية. في المقابل، فإنه يُنظر إلى المدرسة والجامعة كبيئات حاضنة للمنظومة التعليمية والتعلمية تحت مظلة منظومة القيم المنظمية، وما يتوجب على المدرسة أو الجامعة مراعاته وتوفيره لدعم بناء القيم وتمكينها لدى الطلبة. أما المدرسة والمعهد والكلية والجامعة وإدارات التعليم ووزارات التعليم مؤسسات حالها حال بقية المؤسسات العاملة في القطاعات الحكومي والخاص والثالث (غير الربحي)، وينطبق عليها ما ينطبق على القيم المؤسسية في بقية القطاعات.
٣. منظومة القيم المؤسسية
وهي مجموعة القيم التي تُبنى وفق رؤية المؤسسة ورسالتها، وأهدافها الاستراتيجية، وطموحات قياداتها ومالكيها، وتتناغم مع نشاطها لتحقيق أهدافها، والتنمية المستدامة والنمو المطرد لها. وهذه المؤسسات تمثل البيئات الحاضنة للأفراد العاملين فيها من خلال ما توفره من دعم لبناء القيم المؤسسية وتمكينها لديهم، والتي تظهر على شكل نظام مكتوب وخطط وأنظمة وإجراءات قابلة للقياس، وبيان ما يتوجب على الأفراد القيام به لعكس درجة اكتسابهم قيم المؤسسة التي يعملون بها.

يُعد المجتمع أحد أنواع البيئات الحاضنة للقيم، ولكنه يختلف عن البيئة المنظمية بأن نظامه القيمي يعتمد على الأعراف والتقاليد بالدرجة الأولى، وليس له قائد متفق عليه في الغالب، فمنظومة القيم المجتمعية هي: القيم المترابطة التي تتبناها مجموعة من الناس صغرت؛ مثل جماعة الرفاق، أو كبرت؛ مثل مجتمع عرقي أو بين ذلك، وتدعو أفرادها المنتمين إليها إلى تبنيها باعتبارها معتقدات يؤمنون بها ويطبقونها ويدافعون عنها.

وهي مجموعة القيم الوطنية التي يتم اختيارها وفق مرجعيات وطنية، وبإشراف واعتماد الجهات ذات الاختصاص، ويتم التثقيف بها والتعاون في تمكينها من قبل الأسر والمدارس والجامعات ومؤسسات الدولة كلٌ فيما يخصه. مع الأخذ بالحسبان أنّ العديد من مؤسسات المجتمع المحلي بجميع أنواعها تعمل أيضًا على تمكين القيم الوطنية لدى أفراد المجتمع.

العالم بأسره هو الكون الذي يضم كل البيئات الحاضنة، وفيه عدد من المنظمات الدولية التي تفرض قيمها على الدول والأفراد، ولكل منظمة دولية قيمها، ومجموع تلك القيم هو الذي يشكل منظومة القيم العالمية، وهي مجموعة القيم التي تتبناها المنظمات الدوليّة وتفرضها على الدول التي تنضوي تحتها، وقد تتجاوزها إلى الدول غير المنضوية تحتها، وعادةً ما يضع هذه القيم الدول المكونة لهذه المنظمات أو قادتها أو مجالسها، ويتأثر بهذه القيم الدول والأفراد على حدٍ سواء، علمًا بأن لكل منظمة دولية قيمها.

وهي مجموعة القيم التي يبثها قادة الرأي المؤثرون في المجتمع والعالم من خلال الفضاء الإلكتروني، ويتأثر بها الناس كافة في جميع البيئات، وغالبًا ما تتسرب هذه القيم إلى الأفراد في المجتمعات والعالم ككل عبر قنوات ووسائل التواصل الاجتماعي، وتتماز بسرعة الانتشار والتبني من قبل الأفراد والمجتمعات المتابعين لهؤلاء المؤثرين.