العائد الاستثماري

قد يتسائل كثير من أفراد المجتمع وصناع القرار عن الجدوى في الاستثمار في مجال بناء وتمكين القيم وهو سؤال مشروع وللإجابة عليه تفصيل يتنوّع بتنوع المستفيدين من القيم ذاتها على صعيد الأفراد المستقلين والأسر ومؤسسات التعليم ومؤسسات العمل والمجتمعات والوطن كمظلة كبرى للجميع.
ولعله من نافلة القول التأكيد على أهمية القيم وعوائدها المتنوعة على الأفراد والأسر ومؤسسات التعليم والوطن ، فالجميع يؤكد على ذلك ويقدّرون منافع القيم بحسب مصالحهم ، لكن من يجدر تفصيل الجواب لهم هم قادة مؤسسات العمل الذين يريدون إثباتاً للمنفعة المادية لما يستثمرونه من مال لعمليات تكوين منظومة القيم وقياسها وتمكينها
إن القيم المؤسسية المُوجهة لسلوك المديرين والعاملين في المؤسسات، ذات تأثير مباشر وقوي على أدائهم لأعمالهم واتخاذهم لقراراتهم وعلاقاتهم بمرؤوسيهم وزملائهم والمتعاملين معهم، إضافة إلى ما يمكن أن تؤدي إليه من إضفاء صفة التكامل والتماسك على أعضاء المؤسسة، وتوجيههم لبذل الجهود لتحقيق الأهداف التي تسعى إليها المؤسسة (عبدالله،2000).
وقد ربطت عدد من الدراسات بين ربحية المؤسسات وبين القيم المؤسسية، وأن الشركات التي تحيا بقيم مؤسسية أكثر نجاحاً. ففي دراسة أجراها ستانويك وستانويك (1998 Stanwick & Stanwick)حول العلاقة بين الأداء الاجتماعي للشركات والحجم التنظيمي والأداء البيئي والمالي، التي تناولت (627) شركة من العام 1987 وحتى العام 1992. أظهرت النتائج وجود علاقة قوية بين الربحية والأداء الاجتماعي للشركات المتمثل بالقيم المؤسسية.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أبعد من ذلك حيث عددوا قيماً مؤسسية بذاتها تساعد في ربح المؤسسة.
وعند مناقشة أهمية القيم المؤسسية فمن المهم أيضاً أنْ نعرف كيف تُؤثر هذه القيم المؤسسية على أداء الموظف. فقد أظهرت نتائج البحث الذي أجراه بيركهاوت ورولاندزBerkhout & Rowlands بأنَّ المؤسسات التي ترُكز في إجراءات اختيار العاملين على مطابقة القيم الشخصية والقيم المؤسسية تميل إلى أنْ تكون أكثر نجاحًا، وذلك لتمتع العاملين فيها بمستوى أعلى من الرضا الوظيفي. وفي دراسة أخرى مشابهة أجراها كيي وجوردن ايفانز Kaye and Jordan-Evans في العام 2009 بيّنت نتائجها أنّ بعض الأفراد العاملين يدركون أن وجود تطابق جيد بين القيم المؤسسية والشخصية أكثر أهمية من الراتب الذي يحصلون عليه.
وكثيراً ما تُناقش القيم المؤسسية لتكون أداة تسويقية قوية؛ حيث إنّ القيم المؤسسية الواضحة تشجع المستفيدين المحتملين على شراء المنتج واستخدامه بشكلٍ إيجابي. كما يُقر العديد من المؤلفين أن القيم المؤسسية تؤثر على الهيكل التنظيمي والثقافة التنظيمية، والهوية المؤسسية، والاستراتيجية المؤسسية، وبالتالي تشكيل الأهداف والوسائل التنظيمية لتحقيق تلك الأهداف(Gorenak & Košir2012).
وتوضح نتائج دراسة أجراها موقع بيت دوت كوم www.bayt .com (اكبر موقع للتوظيف في الشرق الاوسط) في العام ٢٠١٤ عن الأخلاقيات والقيم في بيئة العمل إلى أن ٩٨ % من المهنيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يرون أن القيم في بيئة العمل مهمة إلى حد كبير.
لقد عبّر (1996 Harmon) عن القيم بمصطلح (الذهب المدفون) في كتابه المميز (Playing for Keeps) حيث يرى إن ملاك ومساهمو المؤسسات قد يهتمون بالقيم المؤسسية وينادون بتطبيقها في مؤسساتهم لكنهم حين يراجعون أداء مدراء مؤسساتهم لا يلتفتون إلا إلى التقارير المالية والأرقام التي تشير إلى الربح والخسارة.
صحيح إنها أداة قياس واضحة للنجاح لكن ما خلف هذه الأرقام من قيم يتبناها ويتمثلها العاملون قد تكون سببًا في انهيار تلك المؤسسات أو تدعيم نجاحها؛ لأنها كالذهب المدفون تحت الأرض، فهو ذا قيمة عالية لكنه بحاجة إلى من يكتشفه ويستفيد منه. وهو ما سنحاول إبراز بعضه فيما يلي على مستوى الأفراد العاملين وعلى مستوى المؤسسة:

أولًا: المنافع العائدة على الفرد

في حال التزام العامل بقيم مؤسسته وظهورها سلوكاً ممارساً أثناء تأدية مهامه الوظيفية فإنه سيجني عدداً من المكاسب قريبة المدى ومكاسب استراتيجية ومنها:

  • يجد الاحترام والتقدير والتكريم والثناء من قبل الزملاء والرؤساء.
  • يحصل زيادة في الدخل والارتقاء في السلم الوظيفي.
  • تساعده على تحقيق أهدافه الشخصية، ونموه المهني.
  • تزيد الدافعية الذاتية لديه نحو تنفيذ المهام الوظيفية.
  • يشعر بالفخر وتحقيق الذات لالتزامه بقيم مؤسسته.
  • يرفع مستوى الكفاءة والانتاجية لديه.

ثانيًا: المنافع العائدة على المؤسسة

كما هو الحال عند الأفراد فإن للقيم منافع أيضاً على مستوى المنظّمة ذاتها حين توليها اهتماماً وتهيئ متطلبات القيم التي تنادي بها ومن تلك المنافع:

  • تعمل القيم المؤسسية على ايجاد توافق نفسي وعملي؛ يدفع فريق العمل للنجاح والتفوق وبالتالي نجاح المؤسسة وريادتها.
  • تسهم القيم في تحسن الأداء وزيادة الكفاءة وتكامل الجهود، مما ينعكس مباشرة على زيادة الأرباح.
  • تستخدم القيم كمقاييس لقياس الأعمال والإنجازات، ويحكم بها المعنيون على تصرفاتهم في موقع العمل.
  • تعمل القيم على تنسيق السلوك الوظيفي.
  • تساعد في تحديد المكافآت والعقوبات للأفراد الذين يتبعون قيم المؤسسة، أو الذين يخرجون عنها.
  • تعد القيم أداة للضبط والرقابة الفردية والاجتماعية والتنظيمية.
  • تعمل القيم المؤسسية على تقليل الصراعات الجانبية بين الإدارات المختلفة في المؤسسة وبين العاملين مع بعضهم، والتي تستهلك كثيراً من الوقت والجهد، وتؤخر الانجاز وتضيع الفرص.
  • يعد زيادة الولاء والشعور بالرضا الوظيفي وتعزيز الفخر والاعتزاز بالمؤسسة والإحساس بالأهمية والمكانة في العمل من أهم عوائد القيم.
  • خلو المؤسسة من كل أشكال الفساد المالي والإداري.
  • تعزيز صورة وسمعة العلامة التجارية والمبيعات وولاء واحترام المستفيدين.
  • تحول المؤسسة إلى بيئة عمل ملهمة وإيجابية.
  • زيادة تنافسية المؤسسة في سوق العمل أو في مجال تقديم الخدمات العامة.
  • تنامي القيمة السوقية للمؤسسة.

إن اهتمام المؤسسة ببناء منظومتها القيمية وتهيئتها لمتطلبات قيمها المعلنة تدفع العاملين إلى أن يتمثلوا تلك القيم وحين تسعى المؤسسة لإحداث التوافق بين القيم التي تعلنها المؤسسة مع قيم العاملين لديها فإن ذلك يؤثر على بيئة العمل تأثيراً إيجابياً فيجعلها بيئة آمنة تمتاز بالالتزام التنظيمي والرضا الوظيفي وروح الفريق والتحفيز وتقليل ضغط العمل كما أنه يؤثر تأثيراً إيجابياً كذلك على ثقافة المؤسسة فيعلي من شأن القيم والأعراف فيها ويتنامى الولاء وتتكرس الاحترافية والالتزام وتسود الحوكمة.
كل تلك العناصر الإيجابية في بيئة العمل والثقافة المؤسسية ستنعكس على الخطط الاستراتيجية للمؤسسة في الابتكار والتسويق والتشغيل وبالتالي تنتج أداءً مؤسسياً عالياً في تلك الجوانب ونتيجته المتوقعة للأداء المالي الجيد، مما يعني أن الاستثمار في بناء منظومة القيم المؤسسية وتمكينها لدى العاملين في المؤسسة لم يعد بالمنفعة المالية فقط على المؤسسة بل حقق لها مكاسب على أكثر من صعيد.

والشكل التالي يوضح بعض العائد الاستثماري على المؤسسة

وإجمالاً فإن الجميع سيستفيدون من برامج بناء القيم ابتداءً بالأفراد وانتهاءً بالوطن المظلة الكبرى للجميع.

والشكل التالي يوضح المستفيدون من عوائد القيم