العائد الاستثماري

قد يتساءل كثير من أفراد المجتمع وصناع القرار عن جدوى الاستثمار في مجال بناء القيم وتمكينها، وهو سؤال مشروع، والإجابة عليه تقتضي تفصيلا يتنوع بتنوع المستفيدين من القيم ذاتها؛ على صعيد الأفراد المستقلين والأسر ومؤسسات التعليم ومؤسسات العمل والمجتمعات والوطن كمظلة كبرى للجميع.
ولعله من نافلة القول التأكيد على أهمية القيم وعوائدها المتنوعة على الأفراد والأسر ومؤسسات التعليم والوطن ، فالجميع يؤكد على ذلك ويقدّرون منافع القيم بحسب مصالحهم ، لكن من يجدر تفصيل الجواب لهم هم قادة مؤسسات العمل الذين يريدون إثباتاً للمنفعة المادية لما يستثمرونه من مال في عمليات تكوين منظومة القيم وقياسها وتمكينها.
لا تكاد تخلوا الخطط الاستراتيجية في المنظمات من منظومة القيم؛ ضمن الثقافة المؤسسية للمنظمة، لكن التركيز عليها في الغالب ضعيف، والاهتمام بها محدود مقارنة بالخطط الاستراتيجية المربوطة بمؤشرات إنجاز ومستهدفات ماديّة ورقميّة.
بينما من المفترض أن تلتفت المنظمات إلى القيم باعتبارها محرّك الاستراتيجية لأنها هي جوهر الثقافة المؤسسية وكما قال «بير داركر» الثقافة المؤسسة تلتهم الاستراتيجية. وبمعنى أخر يشرح الدكتور رتشارد بارت المهتم بموضوع القيم كما في كتابه «القيم تقود المؤسسات»؛ حين يقول: « يجب أن تدار الثقافة المؤسسية بمدخلها الطبيعي وهو القيم» (2017 Barrett).

تحرص المنظمات الحكومية والشركات الكبرى على سن الكثير من الأنظمة والقوانين وتفعيل نظام الحوكمة بشكل مفصل ودقيق لكل العمليات الإدارية والمالية داخل المنظمة، في سبيل تحسين الأداء والحد من عمليات الفساد المالي والإداري، وهذا بلا شك سيساعد على الضبط المالي والإداري، وعلى الرغم من أن تعاريف الحوكمة تشير إلى قيمة النزاهة وممارسة القيادة بأخلاق وفاعلية، وأن أهم ما في الحوكمة هو الأخلاق والقيم (Mervyn King ,2016) إلا أن بعض الخبراء والقانونيين يرون أن الإسراف في عمليات التقنين يأتي بنتائج عكسية ويُسهّل منافذ الفساد بنوعيه المالي والإداري (الحصين 2015) ( أبو نبعة 2018).
إن «الرواد لبناء القيم» ترى أن التقنين والحوكمة خيارًا استراتيجيًا مهمًا للمنظمات ومطلب ملحٌ لها، لكن الاعتماد عليه وحده لا يكفي؛ فالنظام ليس شمسًا يغطي كل المساحات المكشوفة، ومهما كان متقنًا وحازمًا سيجد المخالفون للقانون ظلالًا يحتمون بها، كما هو المثل السائد (إذا أردت مخالفة القانون فادرسه جيدًا)، وعليه فإن الحل هو في تفعيل منظومة القيم المؤسسية ابتداءً. التي تشكل القانون الداخلي للفرد، وتضبط سلوكه قبل أن يضبطه القانون الخارجي وأنظمة الحوكمة.
ولعل هذه هي أول العوائد الاستثمارية للاهتمام بالقيم وتفعيلها بشكلٍ عميقٍ في المنظمات

إن القيم المؤسسية المُوجهة لسلوك المديرين والعاملين في المؤسسات، ذات تأثير مباشر وقوي على أدائهم لأعمالهم واتخاذهم لقراراتهم وعلاقاتهم بمرؤوسيهم وزملائهم والمتعاملين معهم، إضافة إلى ما يمكن أن تؤدي إليه من إضفاء صفة التكامل والتماسك على أعضاء المؤسسة، وتوجيههم لبذل الجهود لتحقيق الأهداف التي تسعى إليها المؤسسة (عبدالله،2000).
وعند مناقشة أهمية القيم المؤسسية فمن المهم أيضاً أنْ نعرف كيف تُؤثر هذه القيم المؤسسية على أداء الموظف. فقد أظهرت نتائج البحث الذي أجراه بيركهاوت ورولاندزBerkhout & Rowlands بأنَّ المؤسسات التي ترُكز في إجراءات اختيار العاملين على مطابقة القيم الشخصية والقيم المؤسسية تميل إلى أنْ تكون أكثر نجاحًا، وذلك لتمتع العاملين فيها بمستوى أعلى من الرضا الوظيفي. وفي دراسة أخرى مشابهة أجراها كيي وجوردن ايفانز Kaye and Jordan-Evans في العام 2009 بيّنت نتائجها أنّ بعض الأفراد العاملين يدركون أن وجود تطابق جيد بين القيم المؤسسية والشخصية أكثر أهمية من الراتب الذي يحصلون عليه.
وفي المقابل، فإن غياب الانسجام والتطابق بين القيم المؤسسية والقيم الشخصية للموظفين، يجعل هؤلاء منسحبين عقليا من وظائفهم ويقلص من درجة الولاء الوظيفي (Employee Engagement) عندهم، وهو أمر مكلف اقتصاديا:
حيث كشفت مؤسسة غالوب أن (13%) فقط من قوة العمل العالمية تمتاز بالولاء لمؤسسة العمل، في حين أن نحو (20%) من موظفي أمريكا الشمالية وأوروبا مثلا غير موالين بشكل فعال. وقدرت تلك الدراسات أن غياب الولاء الفعال يكلف اقتصاد الولايات المتحدة وحدها ما يقارب (550) مليار دولار سنويا.
ويتخذ غياب الولاء أو تناقصه مظاهر عدة من أهمها: التغيب عن العمل، والمرض، بل وحتى الحضور للعمل في حالة المرض لمجرد إثبات الحضور وليس بنية العمل فعليا.
وقد خلصت دراسة كندية إلى أن غياب أكثر من (25%) من قوة العمل يكون بسبب الإجهاد لا المرض. كما تقدر تكلفة اضطرابات الصحة النفسية بنحو 3 إلى 4% من إجمالي الناتج المحلي في أوروبا وأمريكا الشمالية. وتبلغ في بريطانيا حوالي (110) مليارات جنيه إسترليني سنويا. وتشمل تجليات هذه الاضطرابات التغيب عن العمل، وانخفاض الإنتاجية، وارتفاع التكاليف الطبية.
ويعتبر المتخصصون أنه «يمكن للعلاقة الأساسية بين المعتقدات والقيم والسلوك أن تتمظهر عبر الإجهاد»، حيث «يمكن للإجهاد أن يؤدي في بعض الشركات إلى انخفاض عام لأداء الأعمال والكفاءات». ولا ينحصر الإجهاد دائما في اعتباره مظهرا من مظاهر الإرهاق البدني الناتج عن القيام بأعمال شاقة جسديا، بل يعتبر الإجهاد في أحيان كثيرا تعبيرا عن ضغط نفسي ناتج عن عدم رضا الموظف عن قيم المؤسسة التي يعمل فيها، إذ يعتبر الطب وعلم النفس والإدارة أن الإجهاد ناتج عن عملية لإدراك وتفسير البيئة من منظور مختلف من قبل الأفراد على أساس قدرتهم على التعامل معها. وهكذا، يعتبر الإجهاد موجودا عندما تكون البيئة مهددة للفرد.
لذا فتمكين القيم الذي تعمل به شركة الرواد يعتبر استراتيجية مضاعفة، فهو من جهة يحقق التطابق بين القيم الشخصية والقيم المؤسسية ومن ثم يضمن الولاء الوظيفي، وهو من جهة ثانية يركز على التمكين باعتباره استراتيجية لإشراك العاملين في المؤسسات والشركات في عمليات اكتساب القيم وصياغة سلوكاتها وإجراءاتها، مع الحرص على خلق الحافز الذاتي لديهم؛ لأن الموظفين عموما، يبذلون جهدا أكبر حينما يلاقون الاحترام والإنصات والرغبة في سماع مشورتهم ومشاركتهم في أماكن العمل، ويقل احتمال لجوئهم إلى الإجازات المرضية.
وذلك وعيا من الرواد، أثناء عمليات تمكين القيم، بأنه حينما يتم تغييب الموظفين، ولا يكون لهم رأي في طريقة تنظيم عملهم، فإنه تتولد بعض المشكلات التي تؤثر في الشركات، وقد تصل إلى مشاكل الصحة العقلية. حيث أن عدم التمكين هو جزء لا يتجزأ من الكيفية التي ينشأ بها الاكتئاب والإجهاد النفسي والقلق، وعلى الرغم من المساعي المثلى التي يبذلها مختصو علم النفس الإيجابي، فإن عدم التمكين يحدث نتيجة لمؤسسات واستراتيجيات اجتماعية وسياسية واقتصادية.
وعموما، فإن إنتاجية العمل تزداد كلما أحس الموظفون بالرضا والسعادة بنسبة تقارب (12%) من العائد الكلي. ولا يخفى أن ذلك الرضا ينبع من اهتمام الرؤساء بالعاملين بالإضافة إلى إحساس الموظفين بالانتماب وبالهوية الجماعية من خلال تطابق قيمهم مع قيم المؤسسة، وهو ما جرى إثباته منذ ثلاثينيات القرن الماضي (أثر هوثورن (Hawthorne effect) كما ثم إثبات أن ذلك يحسن أدائهم بشكل ملحوظ.
وتوضح نتائج دراسة أجراها موقع بيت دوت كوم www.bayt .com (أكبر موقع للتوظيف في الشرق الاوسط) في العام ٢٠١٤ عن الأخلاقيات والقيم في بيئة العمل إلى أن ٩٨ % من المهنيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يرون أن القيم في بيئة العمل مهمة إلى حد كبير.

وكثيراً ما تُناقش القيم المؤسسية لتكون أداة تسويقية قوية؛ حيث إنّ القيم المؤسسية الواضحة تشجع المستفيدين المحتملين على شراء المنتج واستخدامه بشكلٍ إيجابي. كما يُقر العديد من المؤلفين أن القيم المؤسسية تؤثر على الهيكل التنظيمي والثقافة التنظيمية، والهوية المؤسسية، والاستراتيجية المؤسسية، وبالتالي تشكيل الأهداف والوسائل التنظيمية لتحقيق تلك الأهداف(Gorenak & Košir2012).

وقد ربطت عدد من الدراسات بين ربحية المؤسسات وبين القيم المؤسسية، وأن الشركات التي تحيا بقيم مؤسسية أكثر نجاحاً. ففي دراسة أجراها ستانويك وستانويك (1998 Stanwick & Stanwick)حول العلاقة بين الأداء الاجتماعي للشركات والحجم التنظيمي والأداء البيئي والمالي، التي تناولت (627) شركة من العام 1987 وحتى العام 1992. أظهرت النتائج وجود علاقة قوية بين الربحية والأداء الاجتماعي للشركات المتمثل في القيم المؤسسية.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أبعد من ذلك حيث عددوا قيماً مؤسسية بذاتها تساعد في ربح المؤسسة.

لقد عبّر (1996 Harmon) عن القيم بمصطلح (الذهب المدفون) في كتابه المميز (Playing for Keeps) حيث يرى أن ملاك ومساهمي المؤسسات قد يهتمون بالقيم المؤسسية وينادون بتطبيقها في مؤسساتهم لكنهم حين يراجعون أداء مدراء مؤسساتهم لا يلتفتون إلا إلى التقارير المالية والأرقام التي تشير إلى الربح والخسارة.

صحيح أنها أداة قياس واضحة للنجاح، لكن ما خلف هذه الأرقام من قيم يتبناها ويتمثلها العاملون قد تكون سببًا في انهيار تلك المؤسسات أو تدعيم نجاحها؛ لأنها كالذهب المدفون تحت الأرض، فهو ذو قيمة عالية لكنه بحاجة إلى من يكتشفه ويستفيد منه. وهو ما سنحاول إبراز بعضه فيما يلي على مستوى الأفراد العاملين وعلى مستوى المؤسسة:

أولًا: المنافع العائدة على الفرد

في حال التزام العامل بقيم مؤسسته وظهورها سلوكاً ممارساً أثناء تأدية مهامه الوظيفية فإنه سيجني عدداً من المكاسب قريبة المدى ومكاسب استراتيجية ومنها:

  • يجد الاحترام والتقدير والتكريم والثناء من قبل الزملاء والرؤساء.
  • يحصل على زيادة في الدخل والارتقاء في السلم الوظيفي.
  • تساعده على تحقيق أهدافه الشخصية، ونموه المهني.
  • تزيد الدافعية الذاتية لديه نحو تنفيذ المهام الوظيفية.
  • يشعر بالفخر وتحقيق الذات لالتزامه بقيم مؤسسته.
  • يرفع مستوى الكفاءة والانتاجية لديه.
ثانيًا: المنافع العائدة على المؤسسة

كما هو الحال عند الأفراد فإن للقيم منافع أيضاً على مستوى المنظّمة ذاتها حين توليها اهتماماً وتهيئ متطلبات القيم التي تنادي بها ومن تلك المنافع:

  • تعمل القيم المؤسسية على إيجاد توافق نفسي وعملي؛ يدفع فريق العمل للنجاح والتفوق وبالتالي نجاح المؤسسة وريادتها.
  • تسهم القيم في تحسن الأداء وزيادة الكفاءة وتكامل الجهود، مما ينعكس مباشرة على زيادة الأرباح
  • تستخدم القيم كمقاييس لقياس الأعمال والإنجازات، ويحكم بها المعنيون على تصرفاتهم في موقع العمل.
  • تعمل القيم على تنسيق السلوك الوظيفي.
  • تساعد في تحديد المكافآت والعقوبات للأفراد الذين يتبعون قيم المؤسسة، أو الذين يخرجون عنها.
  • تعد القيم أداة للضبط والرقابة الفردية والاجتماعية والتنظيمية.
  • تعمل القيم المؤسسية على تقليل الصراعات الجانبية بين الإدارات المختلفة في المؤسسة وبين العاملين مع بعضهم، والتي تستهلك كثيراً من الوقت والجهد، وتؤخر الانجاز وتضيع الفرص.
  • يعد زيادة الولاء والشعور بالرضا الوظيفي وتعزيز الفخر والاعتزاز بالمؤسسة والإحساس بالأهمية والمكانة في العمل من أهم عوائد القيم.
  • خلو المؤسسة من كل أشكال الفساد المالي والإداري.
  • تعزيز صورة وسمعة العلامة التجارية والمبيعات وولاء واحترام المستفيدين.
  • تحول المؤسسة إلى بيئة عمل ملهمة وإيجابية.
  • زيادة تنافسية المؤسسة في سوق العمل أو في مجال تقديم الخدمات العامة.
  • تنامي القيمة السوقية للمؤسسة.
إن اهتمام المؤسسة ببناء منظومتها القيمية وتهيئتها لمتطلبات قيمها المعلنة تدفع العاملين إلى أن يتمثلوا تلك القيم، وحين تسعى المؤسسة لإحداث التوافق بين القيم التي تعلنها مع قيم العاملين لديها؛ فإن ذلك يؤثر على بيئة العمل تأثيرًا إيجابيًا؛ فيجعلها بيئة آمنة تمتاز بالالتزام التنظيمي والرضا الوظيفي وروح الفريق والتحفيز وتقليل ضغط العمل، كما أنه يؤثر تأثيرًا إيجابيًا كذلك على ثقافة المؤسسة؛ فيعلي من شأن القيم والأعراف فيها، ويتنامى الولاء وتتكرس الاحترافية والالتزام وتسود الحوكمة.
كل تلك العناصر الإيجابية في بيئة العمل والثقافة المؤسسية ستنعكس على الخطط الاستراتيجية للمؤسسة في الابتكار والتسويق والتشغيل، وبالتالي تنتج أداءً مؤسسياً عالياً في تلك الجوانب ونتيجته المتوقعة الأداء المالي الجيد، مما يعني أن الاستثمار في بناء منظومة القيم المؤسسية وتمكينها لدى العاملين في المؤسسة لم يعد بالمنفعة المالية فقط على المؤسسة بل حقق لها مكاسب على أكثر من صعيد.

والشكل التالي يوضح بعض العائد الاستثماري على المؤسسة

وإجمالاً فإن الجميع سيستفيدون من برامج بناء القيم ابتداءً بالأفراد على اختلاف فئاتهم؛ كأبناء أو طلبة أو عاملين أو أفراد في مجتمعات صغيرة أو كبيرة أو عموم المواطنين، كما أن المنظمات بأنواعها؛ الأسر، والمؤسسات التعليمية ومؤسسات العمل والمجتمعات أو إنتهاءً بالوطن كمظلة كبرى.

والشكل التالي يوضح المستفيدون من عوائد القيم