صياغة المؤشرات وتطوير المقاييس

تتنوع وتتعدد أساليب وطرق قياس القيم الشخصية، وأهم هذه الطرق هي الاستبانات أو المقاييس. حيث تنضوي تحت فئتين، هما؛ الفئة الأولى: قياس القيم من خلال أسئلة الاختيار بين بدائل، ومن الأمثلة عليها مقياس دراسة القيم «لألبورت وفيرنون ولندزي Allport Vernon & Lindzey الذي يهدف إلى قياس القيم الستة التالية: (الجمالية، النظرية، الاقتصادية، الاجتماعية، الدينية، السياسية).
ومقياس القيم الفارقة (The different values inventory) الذي أعده «برنس» R. Prince ويقوم على نوعين من القيم: قيم تقليدية (Traditional) وقيم عصرية (Emergent). ويتكون من 67 فقرة تشمل كل منها بديلين، أحدهما يمثل قيمة تقليدية، والآخر قيمة عصرية، ويجيب الفرد باختيار أحداهما.
أما الفئة الثانية؛ فهي قياس القيم من خلال ترتيب البدائل والفقرات، وينضوي تحت هذه الفئة: مقياس القيم لـ «روكيش» (The Values Survey)؛ وهو جزآن الأول لقياس القيم الغائية، والثاني لقياس القيم الوسيلية، ويتكون كل منهما من (18) قيمة، ويُطلب من الفرد ترتيب كل قيمة على حدة حسب الأكثر أهمية ؛ وقائمة القيم الشخصية (A Personal Values Inventory)الذي أعده «هوكس» Hawkes، ويتكون من 90 فقرة تقيس (10) قيم؛ وقوائم القيم (The Goal and mode values inventories) لـ”بريثويت”Braithwaite & Law 1985 (The Value Profile)ـ” Bales & Couch في العام 1969م؛ وغيرها من المقاييس التي تركز في الغالب على قياس القيم الشخصية للفرد.
وغالب مناحي قياس القيم المنظمية تفترض مجموعة من القيم وفق أسس نظرية محددة بُنيت عليها. فمقياس «القيم المنظمية» لوودكوك وفرانسيس Woodcock and Francis الذي يُعد أشهرها يتضمن مجموعة من القيم التي تميز المنظمات الناجحة التي توصل إليها الباحثان من خلال إجرائهما للعديد من الدراسات في دول عدة، حيث إتضح لهما وجود تشابه كبير للقيم المنظمية عبر مختلف الثقافات. ويمكن أن يطبق هذا المقياس على شخص واحد.
كما يمكن استخدامه لمسح وجهات نظر عدد من الأفراد داخل المنظمة، وهو مقياس يستخدم فقط مع الموظفين الإداريين والمشرفين والمسؤولين. ويقيس هذا المقياس اثنتي عشر قيمة منظمية، ويصنفها في أربع قضايا رئيسة، هي: قيم إدارة الإدارة، وتشمل: القوة؛ الصفوة؛ المكافأة. وقيم إدارة المهمة، وتشمل: الفعالية؛ الكفاية؛ والاقتصاد وقيم إدارة العلاقات، وتشمل: العدل، فرق العمل والقانون والنظام. وقيم إدارة البيئة، وتشمل: الدفاع، التنافس، واستغلال الفرص.
وقد رافق هذه المناحي النظرية في دراسة القيم وتصنيفها وتقسيمها ظهور مسوح عالمية يُعتد بها ساهمت في نشر ثقافة قياس القيم الشخصية والمنظمية والمجتمعية، وجعلت الأفراد والمنظمات يشعرون بأهمية قياس القيم.
ومن المسوحات البارزة مسح القيم الشخصية والمنظمية والمدرسية والمجتمعية التي ينفذها مركز باريت للقيم Barrett Values Centre ومركزه في بريطانيا. ويعتمد هذا المسح على نموذج باريت لمستويات الوعي السبعة. وقد وضع هذا النموذج في الفترة 1996-1997. ويرى هذا النموذج، أن الإنسان يتطور في إطار سبع مجالات محددة وكل مجال يركز على احتياج معين شائع لدى كل الناس، ويعتمد مستوى نمو الشخص ونضجه بقدرته على إشباع ذلك الاحتياج وحسب اختلاف الزمن. وقد حدد هذا النموذج القيم في (66) قيمة فقط.
ومن تلك التجارب ما يطلق عليه مسح القيم العالمي World Values Surveyوهو مشروع بحثي دولي ينفذ من خلال شبكة من العلماء في علم الاجتماع تبحث في أثر القيم المتغيرة على الحياة الاجتماعية والسياسية، و هي شبكة عالمية أنشئت في استكهولم في العام 1981 بهدف تنفيذ تصاميم بحثية منضبطة وعالية الجودة تقيس التغيرات القيمية في دول العالم. وقد صدر عن هذه المؤسسة حتى الآن أكثر من 4000 وثيقة بأكثر من 20 لغة. ويهدف المسح إلى مساعدة العلماء وصانعي السياسة في فهم التغيرات في القيم والدوافع لدى الأفراد في شتى أنحاء العالم.
وبعد مراجعة أغلب منهجيات قياس القيم وأدواتها؛ فإن «الرواد لبناء القيم» تقدّر الجهد الكبير المبذول المبني على أسس نظرية معرفية ولكنها ترى أن في تلك الأدوات جوانب قصور ثلاثة، وهي:
كل منهجيات القياس افترضت مسبقًا قيمًا بعينها في ضوء الأسس النظرية التي انطلقت منها في تحديدها، وبنت عليها مقاييس لدراستها أو مسحها لدى الأفراد والمنظمات والمجتمعات، وهذا مثّل جانب قصور من وجهة نظرنا؛ إذ إن القيم وإن كانت عالمية؛ فإن لكل فرد ومنظمة ومجتمع قيم خاصة به؛ فهي تفضيلات شخصيّة ومنظميّة ومجتمعيّة. وعليه، فإنه لا يمكن تعميم هذه المقاييس على الأفراد أو المنظمات والمجتمعات كافة.
ويصاحب جانب القصور هذا حصر قيم معيّنة في تجمعات محددة وإطلاق مسميّات مختلفة عليها، يجعل تكرار القيمة الواحدة واردًا في أكثر من تجمع؛ فمثلًا تُسمى قيم (المحبَّة؛ حب الوطن؛ التسامح) بالقيم الأخلاقية، في حين تتكرر جميع هذه القيم أو بعضها في تجمع آخر، فنجد قيمة (حُب الوطن) ضمن القيم الوطنية، وهكذا لبقية القيم.
وعليه، فإن تكرار القيمة الواحدة في تجمعات عدة يبقى أمرًا مختلفًا عليها بين الباحثين، الأمر الذي يجعل المقاييس والدرجات وتفسيراتها مختلف عليه أيضًا.
وجانب قصورٍ ثانٍ؛ تمثل في أن تلك المقاييس أعدت أصلًا لمسح القيم الشخصية والتعرف على منظومة القيم السائدة لدى الأفراد، وتُستخدم في الوقت ذاته لقياس القيم المنظمية، بينما قياس القيم المنظميّة لا يكون من خلال قياس القيم الشخصية بل من خلال قياس جانبين اثنين هما: درجة تبني الفرد واكتسابه لقيم المنظمة التي ينتمي إليها وليس قياس قيمه الشخصية، والجانب الثاني: هو قياس درجة توفير المنظمة للمتطلبات اللازمة للقيم التي تعلن عنها وتتبناها.
وتمثل جانب القصور الثالث في اختلاف قياس «التوافق» بين القيم الشخصية والقيم المنظمية باستخدام مقاييس تطلب من الأفراد في المنظمة تقدير درجة الموافقة على التوافق بين قيمهم الشخصية وقيم المنظمة، من مثل: «اتفق مع قيم منظمتي» أو «الأشياء التي أقدرها في الحياة متشابهة مع الأشياء التي تقدرها منظمتي». في المقابل تتطلب بعض المقاييس من الأفراد تقدير درجة ارتباط محتوى فقرات المقياس ببيئة المنظمة الحالية، وفي ذات المقياس يطلب من الفرد تقدير درجة وصف محتوى فقراته لشخصيته.
وعند التمعن في فقرات هذه المقاييس نجدها بعيدة كل البعد عن القيم الشخصية والمنظميّة، إذ إنها فقرات وصفية تصف ما يتعلق بالقيم بشكلٍ عام وارتباطها ببيئة المنظمة، لكنها لا تتناول قيمة بحد ذاتها مثل تناول «قيمة النزاهة» بوصفها قيمة شخصية يعتبرها الفرد ضمن سلم أولوياته، وهي قيمة منظمية في الوقت ذاته يعتبرها الفرد ضمن اولوياته في المنظمة. بينما قياس التوافق يكون من خلال التعرف إلى القيم الشخصية للفرد (النزاهة، روح الفريق…) أولاً، ثم تقديره لأهمية القيم المنظمية التي تعلنها المنظمة (الشفافية، النزاهة،…) ثم فحص التوافق بينهما.
منهجية «الرواد» في بناء المعايير وصياغة المؤشرات وتطوير المقاييس

ترى «الرواد لبناء القيم» أن المنهجية العلميّة الرصينة التي تعالج جوانب القصور في صياغة المؤشرات وتطوير المقاييس، تكمن في أن نكوّن وعاءً كبير يضم عددًا كبيرًا من المعايير والمؤشرات والمقاييس للقيم الشائعة عالميًا وتصاغ على ثلاثة أنواع هي:

  • معايير مؤشرات ومقاييس القيم الشخصية.
  • معايير مؤشرات ومقاييس القيم المنظمية.
  • معايير مؤشرات ومقاييس توفير المنظمة لمتطلبات القيم المنظميّة.

ويتم تطويرها وتحسينها باستمرار مثل نظام «بنك الأسئلة» Item Bank وهذا ما فعلته «الرواد لبناء القيم».

قياس القيم

بعد توفر المعايير والمؤشرات والمقاييس المطّورة لكل قيمة على حدة فإن عمليات قياس القيم تساعدنا على التأكد من تحقق الشعار المنطوق لشركة «الرواد لبناء القيم» (قيمٌ على أرض الواقع لا شعارات على الجدران) من خلال فحص سياسات وأنظمة وقوانين وإمكانات المنظمات ووفائها بالمتطلبات اللازمة للقيم التي تعلنها وتهيئتها لعناصر البيئة الحاضنة للقيم والداعمة لها، وفحص مدى تبني الأفراد المنتمين للمنظمة لقيمها إضافة إلى فحص القيم الشخصية للأفراد، وتحديد الفجوات في قيمهم المنظمية فجوة (التمثل) وفجوة (التطابق) بين القيم الشخصية للعاملين وقيمهم المنظمية وفجوة (التهيئة) لمتطلبات القيم التي يجب أن توفرها المنظمة.

وعليه؛ فإن «الرواد» ترى أن عملية قياس القيم عمومًا بالاستناد إلى الأنواع الثلاثة تلك من المقاييس تتم على أربعة أشكال، وهي قياس القيم الشخصية للأفراد، قياس القيم المنظميّة لدى الأفراد العاملين فيها، قياس درجة التوافق بين قيم المنظمة والقيم الشخصية للأفراد المنتمين لها، وقياس درجة توفير البيئة المنظمية الحاضنة لمتطلبات القيم.

وفيما يلي إيضاح عنها:.
  • الأول: قياس القيم الشخصية للأفراد: ويمثل درجة تبني الفرد للقيم الشخصية التي يعتقدها ويعلنها ويدافع عنها في أي بيئة حاضنة ينتمي إليها، وتكون من خلال عبارات (فقرات) يعكس محتواها ما يُتوقع منه القيام به للدلالة على تبنيه للقيم الشخصية التي يدعيها.

  • الثاني: قياس القيم المنظميّة لدى الأفراد العاملين فيها: أي درجة تبني الفرد لقيم بيئته المنظميّة (الأسرة، المدرسة، المؤسسة) المعلنة أو الضمنية، وتكون من خلال عبارات (فقرات) يعكس محتواها ما يُتوقع من الفرد القيام به للدلالة على تبنيه لقيم المنظمة التي ينتمي إليها؛ بغض النظر عن قيمه الشخصية التي يتبناها ويحدد هذا القياس فجوة تمثل الأفراد لقيم منظمتهم التي ينتمون لها.
  • الثالث: قياس درجة التوافق بين قيم المنظمة والقيم الشخصية للأفراد المنتمين لها: ويكون من خلال قياس القيم الشخصية التي يعتنقها الفرد ويعتقد أنها تشكل أولوياته، ثم قياس القيم المنظمية – التي تعلنها المنظمة- عند الأفراد العاملين. وبعد ذلك تتم المقارنة لتحديد مستوى التطابق من عدمه بين المقياسين والفجوة التي قد تكون بينهما.
  • الرابع: قياس درجة توفير البيئة المنظمية الحاضنة لمتطلبات القيم: وتكون من خلال المقارنة بين ما يُتوقع من المنظمة توفيره لتهيئة البيئة الحاضنة والداعمة للقيم (الوضع المأمول)، وبين ما توفره المنظمة فعليًا من متطلبات (الواقع)، ويسمح هذا القياس بتحديد حجم «فجوة متطلبات البيئة الحاضنة» أي المتطلبات غير المتوفرة للقيمة والتي ينبغي للمنظمة توفيرها.

وإجمالًا فإننا حين نريد قياس القيم الشخصية للأفراد أو القيم المنظميّة للمنظمات فإننا سنكون أمام ثلاث حالات على النحو الآتي:
الحالة الأولى: ألا تكون للفرد أو المنظمة قيمٌ معلنة، أو هم غير مدركين لمجموعة القيم التي تشكل منظومتهم القيمية الضمنيّة، وفي هذه الحالة يجب أن نعرض عليهم ابتداءً قائمة القيم الشائعة عالميًا، ويختارون منها القيم التي يعتقدون أنها تكـّون منظومتهم القيمية، ثم يتم استلال المقاييس الخاصة بتلك القيم التي تم اختيارها من قبل الأفراد أو المنظمة من الوعاء الكبير للمقاييس لتطبيقها عليهم.
الحالة الثانية: أن يكون الأفراد والمنظمة قد حددوا مسبقًا قيمهم الشخصية أو المنظمية فإننا نختار لهم من وعاء المقاييس ما يتوافق مع تلك القيم لتطبيقها عليهم.
الحالة الثالثة: والتي نعتقد بندرة حدوثها أن يتبنى الفرد أو المنظمة قيمًا ليست ضمن قائمة القيم الشائعة عالميًا، وفي هذه الحالة سنقوم بدراسة هذه القيمة وتجسيدها وبناء مقاييس جديدة خاصة بها.

أنواع قياس القيم وعملياتها